عمر فروخ

506

تاريخ الأدب العربي

قد جرّدوا بذكر الشراب « 1 » كتبا ضمّنوها من نعوت أصنافه ، وأوصاف محلّله ومحرّمه وتبيين خصاله ولطائفه وحدود منافعه ومضارّه وضروب « 2 » ملاذّه ومسارّه ما استغرقوا فيه المعنى واستوفوا به المدى . وأغفلوا ذكر النديم بما يجب ذكره والتنبيه على منزلته وموقعه وإفراده من القول بما يبيّن عن فضله ويدلّ على محلّه ، إلّا في جمل أدرجوها ولم يبسطوها ولمع في أطراف الكتب فرّقوها ولم يؤلّفوها . فأحببت أن أجرّد « 3 » في ذلك كتابا أفصّله وأبوّبه وأفي كلّ معنى فيه حقّه وأضمّ إلى كلّ شكل شكله ، وأجمع إلى ما تستطيبه القريحة أحسن ما وجدته في هذا المعنى متفرّقا في أمثال الحكماء ومنظوم الشعراء ومنثور البلغاء وأخبار الظرفاء ، وأودعه من أدب النديم ما لا يستغني عنه شريف ولا يجوز أن يخلّ به ظريف ليكون منهاجا واضحا لمن نظر فيه وإماما يقتدي به من وقع اليه . . . . . - باب أخلاق النديم ( من كتاب أدب النديم ) : وليس أحد من أصحاب الملوك وخلطائهم هو أولى باستجماع محاسن الأخلاق وأفاضل الآداب وطرائف الملح وغرائب النتف من النديم . حتّى إنه ليحتاج ( إلى ) أن يكون فيه أشياء متضادّة فيكون فيه مع شرف الملوك تواضع العبيد ، ومع عفاف النسّاك مجون الفتّاك « 4 » ، ومع وقار الشيوخ مزاح الأحداث . وكلّ واحدة من هذه الخلال هو مضطرّ إليها في حال لا يحسن أن يخلّ فيها ، ووقت لا يسعه العدول « 5 » عنها ، وإلى أن يجتمع إليه من قوّة الخاطر ما يفهم به ضمير الرئيس الذي ينادمه على حسب ما يبلوه « 6 » من أخلاقه ويعلم من معاني لحظه وإشارته ما يغنيه عن تكلّف عبارته

--> ( 1 ) الشراب : الخمر . ( 2 ) ضروب : أنواع . ( 3 ) أجرد في ذلك كتابا : أجمع أخباره ( مجردة من غيرها ) في كتاب . ( 4 ) الفتك : اتيان ما تميل اليه النفس من المعاصي . ( 5 ) العدول : الحيد ، الانصراف ، الرجوع . ( 6 ) يبلوه : يختبره ، يعرفه .